مغاربة العالم: خطاب المواطنة في مواجهة سياسات الإقصاء

Likntiya 2 Août 2020, à 21:14

  1. Likntiya

    Likntiya عضو متميز

    5 160
    17
    16
    يشعر جلّ مغاربة العالم بخيبة أمل مضاعفة من موقف الحكومةوالأحزاب من مبدأ مشاركتهم السياسية وحقّ المواطنة الكاملة اللتين أقرّهما الخطاب الملكي عام 2005 ودستور عام 2011. ويزداد الغيض من فيض بعد تجاهل المذكرة المشتركة لأحزاب “الاستقلال“و“الأصالة والمعاصرة“ و“التقدم والاشتراكية“، الصّادرة قبل أيّام،لمغاربة العالم على الرغم من تركيز المذكرة على محورين رئيسيين أساسيين: “الإصلاحات السياسية والديمقراطية“، و”الإصلاحات الانتخابية“، ودعوتها إلى إبرام “تعاقد سياسي جديد“.​

    ويتكرّر الصمت المطبق عن التمثيل السياسي لمغاربة العالم أيضا في مذكرة “العدالة والتنمية” التي تصبو إلى “إعمال المقاربة التشاركية في مراجعة المنظمة الانتخابية، في إطار منهج تراكمي يرصد إيجابيات الاستحقاقات الانتخابية السابقة ويتجاوز نواقصها وثغراتها”. ومنذ مارس الماضي، زادت مؤشّرات الحنق بين مغاربة العالم بسبب تعامل الرباط مع ملف العالقين في الداخل والخارج، وسط ملفات عالقة أخرىبشأن مغاربة المهجر، مما يكرّس بوادر القطيعة النفسية والاجتماعية والعزوف عن زيارة المغرب، فضلا عن التفاف فئات واسعة من المثقفين في أوروبا وأمريكا الشمالية حول فكرة التّضامن والتّعبير عن ذاتيتهم وقناعاتهم، وتنظيم أنفسهم فكريا وسياسيا كشتات قائم بذاته، وسط تركيز اهتمام الرباط داخل دائرة التحويلات المالية.​

    يستعرض هذا الملفّ الخاص مواقف سبعة من الشخصيات الأكاديمية ونشطاء المجتمع المدني في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية حول ديناميات العلاقة ومآلها بين مغاربة المهجر والمغرب الرسمي، وبعض الاعتبارات والقضايا التي لا يلتقطها رادار الرباط عند تتبّع أوضاع قرابة ستّة ملايين مغربي ومغربية في الخارج.


    تنطوي العلاقة التي تجمع مغاربة العالم ووطنهم الأم على عروة وثقى مركّبة تتداخل فيها الروافد الثابتة من الانتماء الهُوِيَاتي، بمجاراة التباعد الجغرافي والمرجعية التاريخية التي تشكل المخيال الجمعي والوعي السياسي، وأيضا الروافد الثقافية والحضارية كبنائية اجتماعية متحرّكة تجعل مغاربة الشتات لا ينفصلون كليا عن الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي للبلد الأصل. ولا يمكن التقليل منأهمية العامل الاقتصادي، أيضا، باعتباره اللحمة الأساسية التي شكلت تاريخيا سبب هجرة المغاربة المتحدّرين من المناطق المهمشة من نطاق التنمية، والتي كانت تعرف تاريخيا بمناطق “السيبة“ لعدم خضوعا لفترات تاريخية معينة لسلطة المخزن، وخاصة منطقة الأطلسيْن المتوسط والكبير والواحات ومنطقة الريف، ومنها توالت موجات الهجرات منذ الستينيات من القرن الماضي نحو فرنسا وبلجيكا وهولندا، وبعدها إلى إسبانيا وإيطاليا، ثم الولايات المتحدة وكندا ودول الخليج العربي في العقود الثلاثة الماضية.

    اختلفت مفاهيم الهجرة المغربية نحو الخارج، وتباينت في ظلهاتمثلات النظام المغربي لها، وتدرّجت السياسات العامة بشأنها من صيغة “عمالنا في الخارج“، ثم صيغة أكثر شمولا وأقلّ قدحا “المغاربة المقيمون في الخارج“، ونهاية بعولمة المفهوم والترويج لمصطلح “مغاربة العالم“. فاتسمت الصيغة الأولى بارتباطها بهجرة فئة اجتماعية تنتمي في معظمها إلى المناطق المنسية المذكورة سابقا بسبب الفقر والحاجة وشحّ فرص الشغل. لكن العائد كان مهمّا في دعم أسر المهاجرين بتلقي الحوالات المالية والمساعدات من الخارج، ما ساهم في إحلال مستوى من التوازن المجتمعي والاقتصادي المبني على أساس التضامن الأسري بعدما تعثّر تضامن الدولة مع المجتمعات المحلية المغلوبة على أمرها.

    لم يكن مصطلح “الشتات“ في تعريفه الكلاسيكي ينطبق على الهجرة المغربية التي انحسرت بداية في أوروبا الغربية، حيث شملت عمالالقطاعات الصناعية والفلاحية والتقنية. فلم يقم الجيل الأول بأيّ دور في المجال السياسي والنقابي في دول الاستقبال، بل ظلّتالعلاقة التي تربطهم بالمغرب أشبه بالوصاية الأبوية تجسيدا لمفهوم الرّعية والسلطان. وقد ميّز الباحثان غابرييل شيفر وموش ماوز بين الشتات لأسباب تاريخية والشتات الناشئ. فوضعا تحت هذا المسمى الشتات اليوناني والتركي، ويمكن إدخال المغرب ضمن هذه الخانة، لكن انعدام الارتباطات والتفاعلات لهذا الشتات في مختلف القارات دفع رشيد العلوي إلى تفضيل مفهوم “المجموعات عبر الوطنية” في دراسته الصادرة عام 2013.

    كان المهاجرون المغاربة يعيشون في مناطق هامشية في دول الاستقبال ضمن جيوب جغرافية وهوياتية جانبية، كما هو حال مهاجري الستينيات والسبعينيات في باريس. ولم يسعوا لتغيير مسوّغات وجودهم كشتات مهاجر ذي ميزات خاصة، على غرار الشتات اليوناني أو اليهودي أو التركي. وشهدت هذه الفترة، أيضا، توجس النظام المغربي من المعارضة السياسية التي كانت تنشط في الخارج، خاصة أقطاب المعارضة اليسارية في السبعينيات. فاستهلت الرباطتجربة “ودادية المغاربة المقيمين في الخارج“، فيما الهاجس الأمني هو المحرّك الحقيقي للعلاقة بين النظام المركزي في الرباط والجالية المغربية عبر العالم. بيد أن تجربة الوداديات فشلت في تقديم النتائجالمنشودة في السبعينيات والثمانينيات.

    كان الحسن الثاني يرفض فكرة اندماج المغاربة في النسيج السياسي الغربي. وفي مقابلة مع إحدى القنوات الفرنسية عام 1993، تمسّك بأن فكرة الاندماج على شكل الانصهار تفتقد للواقعية السياسية والهوياتية، وأنه لا توجد ارتباطات موضوعية بين الجالية ودول الاستقبال. كان هذا المنطق يجاري قناعته الشخصية والسياسية بأنالمغاربة في الخارج “رعايا وامتداد طبيعي للمغرب خارج التراب الوطني“، ولا يمكن لهم الانخراط في قوالب الحضارة الغربية ونظمهاالديمقراطية، فضلا عن توجسه من تجريدهم من “تمغربيتهم“ بالشكل القانوني عبر التخلي عن الجنسية المغربية بالنسبة للبلدان التي منعت ازدواجية الجنسية. لكن هذه المعضلة وضعت المغاربة المهاجرين في مأزق قانوني، وسببت لهم الارتباك بين قرار عدم المشاركة في الانتخابات الغربية والاستثناء من المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المغربية، مما يعقد مفهوم المشاركة السياسية بشكل عام، إلى حدّ أنالحسن الثاني رفض مشاركة المغاربة في الانتخابات البلدية في ألمانيا عام 1986. وينطوي هذا المنحى على تجويف سياسي مزدوج للمغاربة في العالم ونخبهم السياسية والمثقفة في الخارج والداخل.

    منذ أوائل التسعينيات، راج استخدام مصطلح “الجالية المغربية المقيمة بالخارج“ قبل مفهوم آخر يعتريه الغموض وعدم الاتزان اللفظي والمعنوي، وهو “مغاربة العالم“، بسبب استقرار بضعة ملايين من المغاربة في أزيد من 100 دولة. وشهدت العقود الثلاثة الماضية تغيير أنماط التفكير المغربي في توصيف الجالية المغربية، وذلك من خلال البناء المؤسساتي والتعبير عن الاهتمام بشؤون الجالية عبر إنشاء مؤسسة الحسن الثاني للجالية المقيمة في الخارج والوزارة المنتدبة المكلفة بالجالية المغربية. وتزامن هذا البعد المؤسساتي مع تغيير النّمط الوظيفي الاندماجي للجالية التي اختلف شكل وجودها في دول الاستقبال عن سابقتها بجيل ثان وثالث أصبحا يفضلان الانصهار والاندماج في المجتمعات الغربية والمشاركة في تدبير الشأن السياسي في هذه البلدان. وتنحو هذه الأجيال الجديدة منحى يستبدل النمط المعياري التقليدي الذي كان سائدا بين الآباء والأجداد الذين ظلوافي وضعية هجينة بسبب ضعف التحصيل التعليمي والثقافي لديهم،واستدامة الارتباط بالمغرب نفسيا ونوستالجيا من خلال قضاء العطل السنوية في المناطق التي ترعرعوا فيها قبل الهجرة.

    تغيرت السياسات الحكومية المغربية إزاء الجالية بعد 2000، في وقت لم تعد نظرية الاندماج مستبعدة، بل أصبحت مستحبة كوسيلة أساسية لدعم المواقف المغربية، وأيضا لإنعاش الاقتصاد الوطني والاستثمار في المغرب. وتراجعت مواقف التخوف من قيام معارضة خارجية مهيكلة ضد المؤسسة الملكية. فانتقل النظام المغربي من مفهوم الوصاية والمراقبة إلى مفهوم المواكبة والتتبع، مع إعطاء بعض الامتيازات للجالية مقابل إسهامها الاقتصادي في التنمية المناطقية والجهوية. لكن ثمة تحوّلين مهمّين في هذا الصدد: أوّلا من الناحية السياسية، ورغم الإشارة في الدستور المغربي المعدل سنة 2011 في الفصلين 17 و18والخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء سنة 2005، إلى ضرورة المشاركة السياسية لمغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية، لم يصدر أي قانون تنظيمي يوضح شكل هذه المشاركة. للإشارة، فإن 115 دولة من أصل 210 لديها مقتضيات قانونية تسمح لمواطنيها في الخارج المشاركة في الانتخابات، لكن 13 دولة فقط، تبنت قوانين وإجراءات لتقنين المشاركة السياسية للناخبين في الخارج كالبرتغال وإيطاليا والجزائر. ثانيا، من الناحية الاقتصادية، فشلت السياسات الحكومية المغربية في إقناع مغاربة العالم في الاستثمار داخل الوطن في ظل بيئة اقتصادية فاسدة، وفي غياب مؤشرات الشفافية والنزاهة والتنافسية حسب العديد من التقارير الدولية، الأمر الذي ساهم في هروب مغاربة العالم من الاستثمار في المغرب واقتصار إسهامهم على الجانب الاستهلاكي وعلى شراء العقارات، الاستثمار الذي لم يسلم،أيضا، من بعض الصعوبات من خلال تعرض أفراد الجالية للنصب والاحتيال من قبل بعض المنعشين العقاريين.

    في الأشهر الأربعة الماضية، كشفت القرارات التي أقرّتها الحكومة المغربية في حق العالقين المغاربة في الخارج خلال أزمة كورونا بعد رفض إرجاع المغاربة إلى أرض الوطن أو السماح لهم بالرجوع إلى دول الإقامة، عن بداية حلقة جديدة من تكريس الشتات المغربي في الخارج المنفصل عن كل السياسات المغربية، حيث لم تعط لهذه الفئة أي أولوية للعودة إلى بلدها، في ظل تداعيات الجائحة، بل وجرت المتاجرة بالموضوع بعد مرور أزيد من أربعة أشهر، من خلال العودة المشروطة المقترنة بإجراء الفحوص الطبية والعودة من موانئ محددة، واحتكار شركة الخطوط الملكية المغربية لكل رحلات العودة وبأسعار مبالغ فيها .

    هذا التعاطي العشوائي مع الجالية المغربية في الخارج يدقّ آخر مسمار في نعش العلاقة المؤسساتية بين المغرب ومغاربة العالم، ويجعل هذا الشتات المغربي في إطار العلاقة المركبة مع الوطن الأم يدخل في مسار جديد يحتم التفكير في جدية تطوير الشتات المغربي كمكون لجاليات العالم، في غياب البعد الغائي عن الادراك الجمعي حول ماهية العلاقة مع المغرب ومقوماته كمجتمع وكتاريخ وحضارة وارتباط جغرافي، وبين مغرب السياسات الارتجالية التي فشلت في دفع الشتات بالمفهوم الديسبوري إلى التحول إلى جبهة مدافعة عن حقوق هذه الفئة السياسية والاقتصادية. وتدعو الخشية إلى ترقب أن تتحول العلاقة إلى مجرد رموز وصور وذكريات من الماضي في ظل الأزمة الحالية، ويأس الكثير من مغاربة العالم من التغيير الديمقراطي في المغرب.
     

Partager cette page